روح المعاني - أول موقع أدبي شامل
روح المعاني - رابطة الكُتّاب و الأدباء

فاحرصوا على ذلك …

كتبهامحمد غيث ، في 31 تشرين الأول 2009 الساعة: 23:50 م

فاحرصوا على ذلك …
 
أحبهم نعم … و لكني أشفق و أخاف عليهم كثيراً … أنظر إليهم بملامحهم البريئة و أجسادهم الصغيرة … متشابهون كثيراً … بل هم لا يختلفون عن بعضهم البعض سوى بنوع الشامبو الذي تغسّلهم به الماما … و نوع البودرة التي تضعها على أجسادهم المرهفة … و الحفاضات التي يسترون بها مؤخراتهم ، و أسرّتهم و غرف نومهم و ملابسهم و باقي الإكسسوارات التافهة التي لا يوليها الطفل أي اهتمام أو اعتبار … هم جميعاً من الداخل صفحات بيضاء ناصعة لم تلوثها محابر الحياة بعد و لم تشوهها معاول الحزن و الألم ، يتشابهون في ضحكاتهم و حركاتهم ، يجلس الواحد منهم متربعاً على الأرض … فيشير له البابا أن تعال لي يا صغيري … يمد يديه و يحاول الوقوف فيفشل بسبب الحفاضة اللعينة … يحاول مرّة أخرى بجهد أكبر … تبوء المحاولة أيضاً بالفشل … يحاول أن يغير استراتيجيته فيقرر أن يضع يديه على الأرض ليستند عليهما أثناء الوقوف فـ (يتكعبل) إلى الأمام واقعاً على رأسه … يعدّل جلسته من جديد … و يحاول مرّة أخرى مستلهماً عزيمته من صوت أبيه و هو يناديه و يديه المفتوحتين بانتظار احتضان صغيره … يمد الصغير يديه إلى (الكنباية) و يحاول جاهداً الاستناد عليها ليقف على قدميه … ينجح أخيراً بعد طول معاناة … يقف على قدميه المرتجفتين كعصفور صغير خرج لتوه من البيضة … يمد يديه باتجاه أبيه و على وجهه ابتسامه بلهاء … يركّز جيداً في المسافة التي سيقطعها إليه … ثم يجمع شتات همته و عزيمته و ينطلق مهرولاُ متهوراً باتجاه حضنه … ليحتضنه بين يديه و يضمه إلى صدره ثم يغرق الطفل في الضحك ، يضحك و يضحك ثم يسكت و بعد قليل ينظر حوله ثم يبدأ بالبكاء … يفهم الأب سبب بكاء طفله الصغير … فيقول له : تريد الماما يا حبيبي ؟؟؟ و بمجرد سماعه لكلمة ماما ينقطع البكاء مرة واحدة فيهزّ رأسه معلناً الرضى و القبول ثم تبدأ ملامح السعادة بالإرتسام على وجهه ، إنّهم يتشابهون حتى في الذكريات ، فمن الآباء من التقط هذه الذكريات و حفظها على كاميرات الفوتغراف و الفيديو و الديجيتال و منهم من اضطره ضيق الحال لالتقاط تلك الذكريات باستخدام كاميرا الذاكرة و فيديو المخيلة … ليحفظوها في عقولهم فتنام قريرة العين في قلوبهم .

لا يفارقني ذلك السؤال الذي يقضّ مضجعي كلما رأيت واحداً منهم … و لا أستطيع أن أمنع نفسي من التفكير به … أنظر إليه ببرائته و عفويته و لكن مباشرة يضربني ذاك السؤال : كيف سيكون عندما يكبر ؟؟؟ هل سيكون شاباً ملتزماً صاحب همّ و قضية أم سيكون شاباً تافهاً ضائعاً أكثر ما يؤلمه أنّه دخل إلى السوبرماركت فلم يجد عند البائع شوكولاته سنيكرز ؟؟؟ هل عندما يأتي والده ليزوره في المدرسة سيجده طالباً مؤدباً متفوقا جالساً في الصفوف الأولى ساحباً شعره على الجهة اليمين أم سيجده عند كفتيريا أبو علي ممسكاً بسيجارته و فنجان قهوته بعد أن (شلّف) من المدرسة ؟؟؟ هل سيدخل الجامعة أم لا ؟؟؟ هل سيكون مرضياً عند أبويه أم سيكون عاقاً ؟؟؟ لستُ متشائماً الآن و لكن تؤلمني فكرة أنّ هذه البراءة و العفوية و الجمال قد يتم تلويثها فتنقلب إلى ما هو أسوأ ، و هنا يأتي دور الآباء و الأسرة بالدرجة الأولى ، فمن يزرع طيباً يحصد الطيب ، و من يؤسس على الخير و الفضيلة عماد أسرته سيرى النور يسطع من الأبراج العالية التي أسس لها بإذن الله .

و كما هو الحال مع الآباء و الأبناء ، فإن الكاتب يقدم كل ما عنده لأبنائه فيسهر عليهم الليالي و يربيهم على الحق و الفضيلة ، و ينشأهم على أن يكونوا رماحاً في صدور الباطل لا أن يكونوا عملةً في أرصدة البنوك و أضلعاً في صدور ذاك الباطل و الذي قسماً أنّه لا محالة زائل !!!

أبنائكم منارة سيهتدي بها من بعدنا في عتمة ليل الظلم الحالك فاحرصوا أن يبقوا كذلك .

و الله من وراء القصد .

بقلم : محمد غيث

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : تمتمات, ساخر | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “فاحرصوا على ذلك …”

  1. فعلا هم يتشابهون كثيرا وهم اطفال ولكنهم سيختلفون كثيرا حينما يكبرون ذلك امر محتوم ويراودنا دائما ذلك التفكير الذي يقول الى مدى سيختلف هذا الطفل عما هو عليه الان ولكنه لامحال سيتغير لكن نأمل ان يتغير الى الافضل…اهنئك على المقال الجديد متمنيه لك التوفيق تقبل مرور…



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر