خَرَجَ الأمرُ مِنْ يَدِي !!!
كتبهامحمد غيث ، في 30 تموز 2009 الساعة: 23:09 م
تجرحني حالةُ الشوارعِ المزرية التي نمشي عليها … غريب أمرُ هذه الشوارع … أريدُ أن أعلمَ و بصدق بماذا كان يفكّر من قام بتزفيتها … لماذا لا تكون شوارعنا مستوية كما يجب أن تكون … قبل قليل كنتُ راكباً سيارة و مررتُ من شارعٍ فشعرتُ بشعورٍ غريب … بالعادة إما أن تنزل السيارة للأسفل نتيجةَ وقوعها في الأخاديدِ المنتشرة في الشوارع … أو ترتفع للأعلى نتيجةً للجبالِ و المرتفعات التي تصادفك في تلك الشوارع … هذهِ المرّة ارتفعت السيارة للأعلى مع ميلان بدرجة 45 درجة … حالة هندسية معجزة لم يسبق للعالم كلّه أن رآها في شارع … أشُكّ أنّ شوارعَ بعض دول افريقيا التي تكثر فيها المجاعات و الفقر و الحروب و حركات التمرد و الإنفصال قد شهدت مثلَ هذهِ المعجزة الهندسية … صحيح لماذا افريقيا هكذا ؟؟؟ لو كان لملفِ الوورد الذي (أبرطم) عليه لساناً لقال لي : يا أخي ركّز في موضوع واحد رحمك الله … !!! دائماً ما يشيرون إلينا في نشراتِ الأخبار و الاحصائيات و التقارير بالشوارع … فمثلاً أعربَ الشارعُ الفلاني عن استيائه من رفعِ الأسعار … سخط و غضب في الشارعِ الفلاني بعد الأحداثِ الكذا … أظهر استطلاع للرأي أنّ 66 % من الشارع الفلاني أظهروا تأييداً لأمرٍ معين … و بالتالي أنا أطالب بإصلاح حال الشوارع و إعادة تزفييتها من جديد … فالأمرُ جلل و لا يمكن السكوت عليه … و لا بد لنا أن (نبرطم) ها هنا ببنتِ شفة … فالشعوب (الشوارع) تعيش في حالة وئام و محبة و رضا و سيمفونية –يعيش يعيش- مع قادتها و حكامها و رؤسائها … سواءً المفروضين عليهم رغم أنوفهم أو المُنتخبين وفق إرادةِ الشعب (الشارع) – الفئة الثانية من نسج خيالي فلا عليكم- … و بالتالي لا يصح أن يعيشَ هؤلاءِ القادة العظام مع شوارع متعرّجة مخرومة مخزوقة خوفاً من أن تنزلق قدم أحدهم فتنكسر أثناء مشيه على إحدى هذه الشوارع … !!! أعلم أنّ موضوع الشوارع غير المستوية لا يشكّلُ أمراً هاماً للكثيرين و لكنني أحاول جاهداً إيضاح حالتي التي أمر بها ليس أكثر … !!!
يجرحني منظر بعضِ البشر و هم يقطعون الشارع من تحتِ جسرِ المشاة لكي يستظلوا بظلّه … أمر محزن أليس كذلك ؟؟؟ فما المرحلة التي يصل لها الإنسان من الجهل لكي يقطعَ الشارع من تحتِ جسرِ المشاة و يعرّض نفسَه لخطرِ الدهس و يعرّض السائق الغافل المسكين لخطرِ إضاعةِ عمره في العطوات و الصُلحات و المخافر و المستشفيات و محلات المواد التموينية و أمامَ الصرّاف الآلي ليصرفَ على الشخص المدهوس و اللي خلفوه … !!!
حالتي تتطوّر مع الأيام … حتى أنّني و عندَ متابعتي للأفلام بدأتُ بممارسةِ عادة غريبة … فعلى سبيلِ المثال كثير من المشاهد التي تُعرض يكون فيها إطلاق نار متبادل و البطل يطارد الشرير أو العكس و نتيجةً لإطلاقِ النارِ هذا يقومُ المخرج بالتخلّصِ من بعضِ الكومبارس لزوم الأكشن و الحركة … فترى رجلاً يحملُ أكياس البقالة يمشي في الشارع ليسَ له في الموضوع أي علاقة فيتعرض لرصاصةٍ طائشة تقتله فيسقطُ صريعاً و لا ننسى كيسَ البقالة و هو يطيرُ منه في الهواء و يسقط على الأرض لتتدحرجَ حبات التفاحِ منه … مشهدٌ عابر ليس له علاقة بأحداثِ الفيلم أبداً … و تستمر كاميرا المخرج بمتابعة المطاردة بين البطل و الشرير … أنا أترك كل الفيلم و ابدأ بالتفكيرِ بهذا الرجلِ الكومبارسي المسكين الذي تعرّض لرصاصةٍ طائشة و قُتل بلا أيّ ذنب … هل هو متزوج أم لا … و إن كان متزوجاً هل عنده أبناء … و هل هم صغار أم كبار … و كيف سيتدبرون أمورهم بعد وفاته … و هل والداه على قيد الحياة … و إن كانوا كذلك فكم ستحزن والدته و كم ستبكي عليه … مع علمي التام و إدراكي الكامل أنّ كل ما يحدث كذب و قصة خيالية من نسج الخلايا العصبية للكاتب و عدسات كاميرا المخرج و طاقم الفيلم كاملاً .
ربما أفكرُ بهذا الكومبارس الذي يُقتل على الهامشِ و لا أحد يعيره أيّ اهتمام أثناء مطاردات البطل لأنّه يلعبُ نفس الدور الذي نلعبه رغماً عنا و رُسم لنا في دهاليز السياسة و الاقتصاد العفنة … فنحن نُقتل على الهامش في فلسطين و العراق و أفغانستان و الصومال و الصين و لا يتوقّف الفيلم عند موتنا أيضاً … بل تستمرّ كاميرا المخرج بمتابعةِ البطل و مغامراته لينتصرَ في النهاية خيره الشرير على شرّه الحاقد … !!! و لكنّ الكومبارس في الفيلم و عندما يقول المخرج (cut) فإنّه يقومُ ضاحكاً متبسماً فيزيل الأغبرة التي علقت بلباسهِ عند سقوطهِ على الأرضِ ثم يجتمعُ قليلاً مع الطاقم فيتحدثوا عن المشهد ثمّ يذهبوا جميعاً لتناول طعام الغداء ثم يعودُ لأهله … أما نحن فقتلانا يبقون على الأرض … ثم نغسّلهم و نكفّنهم ثم نرجعهم إلى باطنِ الارض … و لا يعودوا لأهلهم … !!! فطوبى لهم .
ليست مشكلتنا بوجودِ الأعداء فقط … فلطالما كانَ لنا أعداء على مرّ التاريخ … فوجود الأعداء بحدّ ذاته مؤشرٌ على التهديد الذي نمثّله على مصالحِ الأممِ الأخرى … مشكلتنا بوجودِ أعداءٍ وقحين غير محترمين … فعلى سبيل المثال أمريكا عدو وقح غير محترم … و لو كانت أمريكا أمامي الآن متجسّدةً على هيئةِ عجوزٍ شمطاء للطمتُها على وجهها و لشددتها من شعرها و لقمت بتعليقها من شعرها المُجعّد على مروحةِ السقف الموجودة في بيتي و لأدرتُ تلك المروحة على أقصى سرعة … و لجمعتُ أطفالَ الحارة و الحارات الأخرى ليدوروا مع المروحة و ليضحكوا عليها مشيرين لها بأصابعهم الصغيرة صادحين بأنشودة الـ (هيـه … هيـه … هيـه) … !!! أضِف إلى المشكلة السابقة وجود الصغار و بكثرة … نعم هؤلاءِ الصغار الذين (يتعربشون) بأرواحنا ليصلوا إلى قممهم القذرة … هؤلاء الصغار الذين دعسوا على جُثثنا و باعونا بأرخص الأثمان ليحافظوا على (مواخيرهم) … و بالتالي وجود أعداء وقحين غير محترمين مع الكثير من الصغارِ الأنذالِ السفلة يولّد لنا وضعاً لا يطاق … المشكلة أيضاً أنّ هؤلاءِ الصغار يتكاثرون بسرعةٍ فيروسية مقيتة … ينخرون جسدَ الأمّة و يدبّون الضعفَ في جهازِ مناعتها … و لكن هيهات هيهات فقريباً سينتصر الكبارُ على الصغار … فقد قالَ باحثون أنّ عددَ كبارِ السن سيفوقُ قريباً و لأوّلِ مرّة عددَ صغارِ السن … !!!
أنا الآن جالسٌ على سريري في هذا الصباحِ النقي … ممسكٌ بقطعةِ خبزٍ محشوّة بالمرتديلا بكلتا يدي … أشعرُ بجوعٍ غريب … مسكينة تلك السندويشة … لقد أنهيتها بالضربةِ القاضية في الجولةِ الثالثة … أفكرُ الآن كم من شخصٍ موجود على هذهِ البسيطة جائعٌ و لا يجدُ ما يسدّ به جوعه … و لكنّ تلكَ الأفكار لم تمنعني من القضاءِ على السندويشةِ الثانية … فعُذراً لكل الجوعى الآن و لكنّني جائعٌ بحيث أنّ جوعي أخرسَ مشاعري النبيلة اتجاه الآخرين … عُذراً منكم فأنا لستُ بهذا النقاء بحيث أكتفي ببضعِ لقيماتٍ أسندُ بها جسدي غير الهزيل … عُذراً لأنّني لم أنزل إلى الشارع باحثاً عن بعضكم لأشاركهم فطوري … أنا أصلاً لا أعلمُ أينَ أنتم الآن … عُذراً منكم لأنّكم وُجدتم في هذا الزمن و كنّا نحنُ أخوتكم … فتركناكم تنامون جوعى و تصبحون جوعى و تغادرون جوعى و ترجعون جوعى … و نحن أثقلتنا التُخمة … فلا خرجنا و لا رجعنا و لا أصبحنا و بقينا نياماً … على العموم و بعدَ انتهائي من طعامي فأنا لا أزالُ جائعاً … فالنتيجةُ أنّ جسدي شبع و ما زالت روحي تبحثُ لاهثةً عن فطورها … !!!
لقد فشلتُ فشلاً ذريعاً في مساقاتِ الآخرة … و سقطتُ في امتحاناتي و لم أقترب من حافةِ النجاحِ حتى الآن … عندما كنتُ طالباً في المدرسة كنتُ مجتهداً مجدّاً في موادي الدراسية … أحضّر الدروس و أشارك في الصف مستخدماً وضعية (أستاذ أستاذ أستاذ) مع طرقعة للأصابع نتيجة حركة يدي السريعة … و في الامتحانات كنتُ أدرس و أدرس لأحصّلَ في النهاية علامات مرتفعة على الرغمِ من أنّ وقت الامتحانِ محدود … و النظر إلى أوراقِ زملائك بحثاً عن الإجابات الصحيحة ممنوع … و لا ننسى المراقبَ اللئيم الذي يتمشّى واضعاً يديه خلفَ ظهره و عينيه ترصدُان الغرفةَ الصفية بحثاً عن الفريسةِ الغشّاشة ليوقعَ بها أشدّ صنوفِ العقابِ و العذابِ بلا رحمةٍ أو مغفرة … و لكن في امتحانات الآخرة فشلتُ و سقطتُ على الرغمِ من أنّ وقت الامتحانِ مفتوح و لا تُعلم نهايته … و النظر إلى أوراقِ غيرك مسموح بحثاً عن الإجابات الصحيحة … و المراقبُ هو الرحيمٌ الغفور تبارك اسمه .
الحياة شبيهة بشركاتِ الخلوي و المحمول … فدائماً هنالك عروضٌ و إغراءات من شركاتِ الخلوي لتتحدثَ أكثر و أكثر على حسابِ رصيدك المادي طبعاً … و دائماً ما تقدّم لك الحياة العروضَ و الإغراءات لتتعلقَ بها أكثر و أكثر و لكن على حسابِ رصيدك الإيماني و الروحي … !!! شركات الهاتف تقدّم لك أرقام السوبر … فتقوم حضرتك بوضعِ أرقامِ أقرب الناس إلى قلبك و تتحدث معهم باستمرار بلا مبالاة لرصيدك … و الدنيا تقدّم لك الخطايا السوبر … فتقوم حضرتك بممارسةِ أقربِ تلك الخطايا لنفسك بلا مبالاة لرصيدك … !!! و أثناء انهماكك بممارسةِ خطاياك و تحصيلِ ذنوبك تأتيك تنبيهات و تذكرة بالآخرة فتكون خدمة الانتظارِ بانتظارها … !!! و إذا استمرّت تلك التنبيهات بالتقاطرِ عليك تقومُ بتحويلِ نفسك على وضعيةِ الصامت و عقلك على وضعيةِ الإغلاق و تنامُ قريرَ العينِ مرتاحاً خاسراً !!!
قلتُ لكم … خرجَ الأمرُ منْ يدي !!!
بقلم : محمد غيث
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : ساخر | السمات:ساخر
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج



























يوليو 31st, 2009 at 31 يوليو 2009 11:16 م
عنجد طلع الموضوع من ايدك..يعني اثبتلك على موضوع يا قرابتنا
ويعطيك العوافي مقال جميل..
أغسطس 3rd, 2009 at 3 أغسطس 2009 5:01 م
بصراحة…
حزنتني يعني حاسة إنه فشة غل مش مقال!
بس فكرة الخطايا السوبر حلوة و أهم شي إنها “واقعية”
أغسطس 8th, 2009 at 8 أغسطس 2009 11:44 ص
لخمتني يا محمد حسيت حالي مش مركزة كيف قدرت تربط كل هالمواضيع مع بعض؟؟ ما شاء الله عليك مقال حلو
أغسطس 15th, 2009 at 15 أغسطس 2009 12:00 ص
المقال رهييييييييب كتير خصوصا الفقرة اللي بتحكي عن الاكل والناس اللي مش لاقين ياكلو بينما نحنا بناكل مش من الجوع لا بس من الزهق…
اسلوبك هوا هوا ما بيتغير مميز جدا…و مواضيعك بتستحق تنقرأ…
مع تحياتي
اسراء “الخريف الصامت”